الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

89

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأرض . وعرش فعل مشتقّ من العرش وهو السقف ، ويقال للأعمدة التي ترفع فوقها أغصان الشّجر فتصير كالسّقف يستظلّ تحته الجالس : العريش . ومنه ما يذكر في السيرة : العريش الّذي جعل للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم يوم بدر ، وهو الّذي بني على بقعته مسجد بعد ذلك هو اليوم موجود ببدر . ووصف الجنّات بمعروشات مجاز عقلي ، وإنّما هي معروش فيها ، والمعروش أشجارها . وغير المعروشات المبقاة كرومها منبسطة على وجه الأرض وأرفع بقليل ، ومن محاسنها أنّها تزيّن وجه الأرض فيرى الرائي جميعها أخضر . وقوله : مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ صفة : ل جَنَّاتٍ قصد منها تحسين الموصوف والتّذكير بنعمة اللّه أن ألهم الإنسان إلى جعلها على صفتين ، فإنّ ذكر محاسن ما أنشأه اللّه يزيد في المنّة ، كقوله في شأن الأنعام وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [ النحل : 6 ] . و مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ حال من الزّرع ، وهو أقرب المذكورات إلى اسم الحال ، ويعلم أنّ النّخل والجنّات كذلك ، والمقصود التّذكير بعجيب خلق اللّه ، فيفيد ذكر الحال مع أحد الأنواع تذكّر مثله في النوع الآخر ، وهذا كقوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [ الجمعة : 11 ] أي وإليه ، وهي حال مقدّرة على ظاهر قول النّحويين لأنّها مستقبلة عن الإنشاء ، وعندي أنّ عامل الحال إذا كان ممّا يحصل معناه في أزمنة ، وكانت الحال مقارنة لبعض أزمنة عاملها ، فهي جديرة بأن تكون مقارنة ، كما هنا . ( والأكل ) - بضمّ الهمزة وسكون الكاف - لنافع وابن كثير ، و - بضمّهما - قرأه الباقون ، هو الشّيء الّذي يؤكل ، أي مختلفا ما يؤكل منه . وعطف : وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ على : جَنَّاتٍ . . . وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ . والمراد شجر الزّيتون وشجر الرمّان . وتقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً الآية في هذه السّورة [ 99 ] . إلّا أنّه قال هناك : مُشْتَبِهاً [ الأنعام : 99 ] وقال هنا : مُتَشابِهاً وهما بمعنى واحد لأنّ التّشابه حاصل من جانبين فليست صيغة التّفاعل للمبالغة ألا ترى أنّهما استويا في قوله : وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ في الآيتين . كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ .